29 يونيو 2012 

 

قصفٌ.. و رقصةُ خلخال

قصيدة قيلت أيام القصف الصليبي على سامراء

 

 The mud brick spiral minaret of the Great Mosque, Samarra, Iraq, a.d ...


- سامُرَّاءْ.. كمْ طالَ القصفُ ..

زهورَ الـجنَّةِ  دُونَ  عَنــاءْ ..!

في لـمْحِ الطّيفِ يفوحُ اللّيلُ.. بلونِ العَسْكـَـرْ.

باللُّـغزِ الغائــرِ في الألواحِ .. و بين الأسطــرْ

.. سـَمَّـوْهُ – خيالاً – إرهابــًا

.. و نَسَوْا  إرهابَ  الأسـمــاءْ !

.. في شيئ ٍ غارَ و كان هنا..

.. مثلَ الزّئبقْ !

إذْ خانَ النّارَ هشِيمُ التّبـنْ ..

تذرُوهُ الرّيحُ بـِجَفنِ الطّفلةِ.. بـٱستهزاءْ !

- سامُرَّاءْ..! منْ هذا الآتي مَزْهُوًّا..

... بدُخانِ الـجُبـنْ ؟!

- منْ هذا الـمازجُ فرحتــَهُ بالزَّيفِ ..

يـُلوّنُ صفحتَنا.. بسَوادِ الغَـبنْ ؟!

لنْ نبكيَ فالـجُــرْحُ ٱستعْصى فيه الإدمانْ ..

لنْ نـحلمَ بالآتي الأحْلى .. مثلَ الأطفالْ

فطُيورُ الشّمسِ يُعذّبـُـها.. زهرُ الأشْــواكْ

و جناحُ الـنَّسْمةِ مأْسُورٌ.. مِنْ غَيـرِ شِراكْ

عزَّتْ بالفجْر أغانينا.. مثلَ الــخُلخالْ !

.. يـختالُ بنا.. و به نــنْساقُ

لقـاعِ الذُّلﱢ.. يُــزيـّـنُ مشيتَنا ليلاً ..

و نهارًا يُوثِــقُ خُطوتَنا شبْهَ الأغلالْ !

***

- سامُرَّاءْ..!

قد حانَ العُرسُ لتلتحفي  بإزارِ الرُّوحْ !

قدْ آن النّبضُ لِــيُوقظَـــنا...

منْ صمْتِ اللَّيـلِ الـمُتجَــدّدْ..

منْ سوْطِ الــخوفِ الـمُستعْبِدْ..

منْ كُلّ ظلامٍ يُـشبهـُهمْ ..منْ قبلِ البَوحْ !

هـا القصفُ سيلهبُ ما ٱسْتبقى

.. فــي كلّ دمارْ

سيزلزلُ في الفرحِ الباكي

..أحْلى إعصارْ..

و يعودُ الطّيـرُ لآخرِ عُشٍّ

...مـحْمُومٍ ..بغُبارِ الدَّارْ !

ما ضرَّ العُشَّ غبارُ الدَّارْ ..

ما غرَّ الطَّيرَ سِوى شفَقٍ..

هدَّ النّافورةَ بـــالألوانِ و بالأحلامْ..

أنساها العودةَ و التّذكارْ .

- سامُرَّاءْ..! أشتاقُكِ ..

..أحْـملُ أشرعتِـي حُبْلى

.. بنسيــم ِالأُرزْ !

مُنسابًـا موْجاً شرقـيًّا..

كحُروفٍ تعـْــرفُ وُجْهتـَـها

.. لـمعاني الــعِـــزْ !

الوعْــدُ – بنا – قد آثــر أنْ يبقى

وعْداً..منْ دُونِ مـجيـئْ

ألَــَقــًا بالدَّهشةِ نعشقُهُ..

بعُيونِ بـريئْ

الوعدُ تـحرَّقَ..كـــيْ يأتي..

لكنَّ الـنُّورَ سيــــأتينا..

منْ غيرِ سرابٍ يسْبينا..

حُبـــاًّ وسـلامْ

ليضمَّ هواكِ طواحينَا..

شـمسًا وحـمامْ

- كمْ طال القصفُ.. و ما هُنْتِ ؟!

- كمْ غالَ الـموتُ .. و ما مِتﱢ ؟!

لكنﱠ الله أبـَى فجْرًا ..

يسْتنسخُ أنفاسَ الكونْ  ..

قمرًا مُلتاعًا.. موعِدُهُ ..

بُركانٌ عات ٍ... ثورتُهُ

لا تُبقي الشَّكَّ و لكناَّ

نـحْتاجُ الشَّكَّ ..بكلﱢجُنونْ.

***

- سامُرَّاءْ.. !

إثنانِ يـُجِيدانِ الفوْضى...

كابُوسُ الــخَوفِ الـمُتَـفشّي

في وجْهِ اللّيلْ !

و القادمُ نـحْوَكِ  !

.. بــٱسْمِ الــحيلةِ ..

.. بــٱسْمِ السّحرِ..

الواهمُ أنَّ الأرضَ

..مــُجرَّدُ فأرٍ ..

يـُمْكنُ أنْ يُصْطادَ ..

..بطُعْمِ الــخُبزِ.. و لوْنِ الـجُبنْ .

.. ما أغبانا.. ما أذكـــــاهْ  !

الفــأرُ يُروﱢعُ صمتَ البيتِ

.. وكلَّ الـجيلْ

إذْ يُسْكنُ أنفاسَ الفوضى

..في نبضِ الفيلْ

..كمْ طالَ القصفُ ..

و حانَ العزفُ على القيثارْ .. !

و الزّعْترُ – آخرَ تلكِ التّـلَّةِ

يـُحْسِنُ عزْفَ الصّبــرِ بـــلا مزمارْ ..!

فـي الشّوقِ الــمُقبلِ بالإشْراقْ..

سنطيرُ سويًّا نـحوَ الــــنّورْ ..

و القادمُ سوفَ يـجِيـئُ..

يُقَبــّلُ خُفَّكِ.. يا لـِلْعارْ !

و أنا كالعادةِ .. سامُرَّاءْ..

أتعشَّقُ  وجْهَكِ رغْمَ القصْفِ..

أرُومُ رضاكِ..

برغْمِ الـجُرح ِمع الأشْلاءْ.

- سامُرَّاءْ..!

" قد حانَ العُرسُ.. ! "

و كانَ الـموعدُ فـي العلياءْ .. !

 

بيرين / 2006

 

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 29 يونيو 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 29 يونيو 2012 

 

       قلقُ النّواعير


Die Noria - eine Wasserpumpe aus dem Orient - ermöglicht es ...


         لعلّ ما يدورُ بخيال النّواعير من أملٍ في أن تُبقيَ على دورة  الحياة مدّةً طويلةً .. و لا يطالها مللٌ أو فتورٌ، هو ما يجعل حركاتِها دائبةً ، نشيطةً ، و متواترةً.و إن كان مَنْ يشاهدُ سكونَ دواعِمِها ، و ثباتَها على الأرض ، لَيطفو إلى فكره بأنها رتيبةٌ ، لا تتحرّك و لا ترى جديدًا..غير أنها في الحقيقة هي مَنْ يغيّرُ في شكل ما حولها بدورانها الدّائم.

         فلسفةُ الدّوران هنا لا تقاربُ دورانَ شيءٍ آخر. فهناك مَن يراوحُ مكانَه .. و يحرق دمَه و لا يجني غيرَ التّعب .و هنا النّواعيرُ تراوح مكانَـها ، و تتعبُ ،لتجعلَ من نفسِها سبيلا لحياةِ ما يدورُ حولها مِن سكون..و شتّانَ بين الدّوَرانيْن.

مقدمة ديواني الرابع " قلقُ النّواعير "

 

 


Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 29 يونيو 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 

 

الدّهشة والتأثير في النّص

Dalia Ziada: رثاء الدهشة - قصيدة من داليا ...

               الاشتغالُ على اللّغة و الصّورة من أهمّ عوامل الإجادة الشّعريّة ، و النّقر بهذا الاشتغال على ذائقة المتلقّي يقف بالشّاعر على مَدْرَجِ التّأثير في وجدانِ و خيالِ السّامع برويّةٍ ؛ حتى يستطيع نقشَ اسمه بثقةٍ و صدق ! و لكنَّ المشهدَ الشّعريَّ اليومَ تكتنفه مؤثراتٌ ، وليدةُ الطّلب السّريع . إذ ماذا ينبغي للشّاعر أن يدسَّه في نصّه حتى يؤثر في المتلقّي لِٱستمالتِه ، و التّأثير فيه ؟ إنّها " الدّهشة..!" تلك التي تلفي فضولا مستطيرًا لفكِّ شفرة النّصّ ، في أثناء سَيَحَانِها بتلك الأفكار؛ فالخيالُ الشّعريُّ سيبذرُ بأرضِ المتلقّي سنبلةَ الدّهشةِ ، ليبقى التّأثيرُ دائمَ الخصبِ ، يحصدُ في كلِّ مرّةٍ جَناهُ ، ثمّ يعيدُ الحرثَ من جديدٍ دونَ أنْ تبلى التّربةُ أو تتأثّرَ نوعيّةُ السّنبلةِ. و يبقى أنْ نوجِّهَ العنايةَ الفائقةَ لقيمةِ هذه الدّهشةِ ، و للمستوى الذي سيقتْ به ، بعيدًا عن تلك الطّلاسمِ و الخُزعبلاتِ الفلسفيّةِ السّرياليّةِ ،التي لا تُمطرُ سوى ٱنغلاقٍ و غموضٍ و نفورٍ ، يزيدُ الهوّةَ بين المتلقّي و الشّاعر ، و يذهبُ بجهدٍ سُدًى ، و بحَمِيميّةٍ منتظَرةٍ هباءًا !

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 29 يونيو 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 28 يونيو 2012 

شكّي يقين

 

زيبا، هواي حوصله ابري است


- و جَرَحْتِني… !
لمْ أعتقدْ أنَّ الودادَ إهانة ..
تُلْقى على وجْهِ المُحِبْ !
و سجَنْتِني..ألماً بغيرِ جناية ..
وطلبتُ منكِ العفوَ ..
و القلبُ السَّببْ !
يا ليتَ لمْ أعشقْ جُفونَ صغيرتي..
يا ليتَ لمْ أسبحْ ..
وكُلّي غارقٌ في نشوتي
..ضمَّ المآسي نغْمةً..
و الحَرفَ مصْلوبَ الطَّربْ .
لا تكتمي .. لا تدِّعي
.. ما لمْ تَبُحْ عيناكْ
تلكَ التي منَّتْ على أطيارنا ..
وعلى الرّبيع الأخضرِ الميَّاسْ ..
وعلى الرُّبَى و الرّافديْنِ..
و لمَّةٍ منْ غُوطَةِ الإحساسْ..
أحْلى تلاحينِ الغضبْ !
***
- و جَرَحْتِنِي.. !
كلَّتْ جراحي لونَها..
و خريفُ عُمْري ..
خانهُ وَهَنُ الورقْ..
و تثاقلتْ خُطْواتُ نبضي ..
بينَ شكّي .. بينَ يأْسِي و الأرَقْ
إذْ صَيَّرَتْ ذكْراكِ
فِي وَجَعِي أملْ.. !
يتحيَّنُ اليَّمَّ المُسافرَ بالعُبابْ..
لِمَرافئِ الماضِي العفيفْ ..!
تنْساقُ بعدَ الصُّبحِ
.. أشواقُ النَّدى..
و صبابتِي
.. و شقاوتِي..
يا رايةَ العُودِ الكفيفْ..
قبلَ اللَّهبْ !
***
و جَرَحْتِنِي.. !
هذا أنا مُتلهّفٌ سُحُبَ اللّقاءْ..
و بكلِّ صدْر مُغْرَم ..
ألْقاكِ .. أحْتَمِلُ العياءْ !
أتَعِبْتِ منْ تعَبي الَّذي ملَّ التَّعبْ ؟
هَا ..فٱعلمي..
سأقولُ ملْحَمتي لكلﱢ النّاسِ و الدُّنيا ..
هلُمُّوا ..اِسْمعُوا :
.. شكّي يقِينٌ أنّها قالتْ :
“..أحِبُّكَ سيّدي..!
وأنا صغيرةُ لمْ أزلْ أقوى..
ولمْ أعتدْ على خُطَب تُعَرّفُني أنَا ..
يكْفيكَ منّي بسْمتي الملأى سَنَا..
و إذا رغِبْتَ لكيْ أقولَ بأنكَ
الغافِي بقلبِي..سيّدي
..اُنظرْ عُيوني..إنّها تُغنِيكَ
عنْ كُلﱢ الخُطبْ ! “.
هذا مصيري.. سامِعِيّْ
قدْ جَرَّهُ..قلبٌ أحَبْ !

 


بيرين / 1999 /  ديوان الهودج

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 28 يونيو 2012

(1) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 28 يونيو 2012 
قصة قصيرة :

 

أمنيــةْ

 

جميله 1 صور طبيعه جميله 1 صور طبيعه ...


             بعد قراءتِها لديوانِه الجديد " وسَبقَ القدرْ" ..أحسّتْ برغبةٍ في ملاقاتِه بعدَ عام منْ تعارفهما عن طريق " النتْ "..لم تعد الحروف تفي بما يتأجّج بداخلها.. فتحتِ " الماسنجر "..و شرعتْ تتقصّى دُرُوبَه في كلّ مكان..
كان حديثـُها صريحًا على غير العادة،أحسّتْ بأنّ ما سبقَ من حروفٍ، لم يكنْ لها من طعم ، وما كانتْ لتبعثَ في النفس من آشتهاءْ.. !
انفلتتِ الكلماتُ من فيهِهَا على حين غرّةٍ..لم تكنْ تقصد ما باحت به.. إنما جرى الحديثُ على لسانها كالزيتِ على المقلاة، فجعلها أكثر انزلاقا و أشهى منظرا.. !
عَذرَها..كانتِ الحروفُ تسابقُ عقلَها ، لتقع على السطور بحمّاها شبَقًا و أسًى..أمّا أصابعُها لم تحُسَّ – رغم برودتها – بحرارة ما تدفّقَ
بينها من شوق ٍ على لوحة ِ المفاتيح.. ضغطتْ على الزّر.. لحظاتٍ ..ثم عضّتْ على أصبعها..
- أ- ح- ب - ك ! ثم استدركتْ :
- أنا آســـفـــــة !..
فسّر كل حرفٍ على حِدَى..وما كان ليسْتعْصِيَ عليه فهمُ مدلولاتها.. فالأصابعُ قد تخون ولكن القلبَ بصيرْ :
- (الألف)..أنا هنا أنتظر قدومَكْ.
- (الحاء)..حاضرة بكل حواسي الخمس..
- ( الباء )..باكية لبعدك.
- ( الكاف )..كفاني عذابا..
كانتِ الأحرفُ الأربعة ُ تنهالُ على مرمى عينيه .. كالغريق..تطفو تارة ً وتغوصُ أخرى ..خانتها المسافاتُ ،فلقد رسمتْ دموعُها الأحرفَ على وجنتيْها ، و تنهّدتْ قبل أن تبوحْ..
آهٍ..يا وجعَ الهمس..لأنتَ أشدُّ من جرح ٍ تكالبَ الألمُ عليه و الإحَنُ..و بَلِيَ و صار حِفريّة ً على جبال الذكرى..راضيًا بقدره.. !
( أراد مواساتها ) ..كتب و باح هو الآخر :
- " أنا في طريقي إلى قلبك.. !"..و مرّ أثيرُ حروفِه إليها لا يبغي سوى مرسى سفن حروفها هناكْ..
الرعشة مازالتْ تلاعبُ جسدَها الهفيفَ..و الحمّى لا أثرَ لها على قلبٍ نخرَ الحبُّ شغافَه و سكنْ :
- " هل حقّـًا هو في طريقه إليّ ْ..؟..ما أسعدني .. !"..
لا عجبَ في نبض ٍ يغالبُ قلبَهُ..و يثقلُ كاهلَه بأمانيَ قد لا يستطيع حملَها !
و لا عجبَ في قلبٍ أسيرِ أمانيه ، لا هو قادرٌ على تحقيق مراميها ، و لا هي قادرة على إسعاف جراحاته !
المطارُ لمْ يعرفْ هجيرَ خطًى مثل خطاه..التأشيرة بين يديه..الطائرةُ أمام عينيه..صورتُها في ذاكرته..
و تحقق القدرْ..هاهي الطائرةُ تتناثر في السماء دخاخينَ و أحلاما، لم يُسمعْ لها من حسيس ..سوى هفهفةِ ما تناثر بورقة سقطت على غصن شجرة صغيرة ، كُتبَ عليها " هل سيسعفُني القَدر ؟!".



بيرين رمضان 2008

 

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 28 يونيو 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم


عزلةُ الكاتب ..

 

 روح السماء الثامنه عزله مشتهاه رد رح ...

 

 

فكرٌ هادئ و وَحشةٌ مقلقلة

 

مدخل /
وحدةُ الإنســـان خَيرٌ *** مِن جليسِ السُّوء عندَهْ
وجلــيسُ الـخير خَيرٌ *** مِن جلوسِ الـمرْءِ وحدَهْ

- تراهُ حسيرًا ..يعبثُ بـملكوتِ فكرِه يـمينًا و شـمـالاً ما ألِفَ أنْ يـجعلَه مُستأنسًا بوحدتِه ؛ ظانًّا بإضاءاتٍ تُنيرُ سَوادَ دَيــْدَنـِه الـمـُوحِشِ، و هو على موعدٍ يفتقُ همومَه أو يرتقُها. و ليسَ يُثقلُ كاهلَ أحاسيسِه و شاغلَ وساوسِه غيرُ تلك اللحظاتِ، التي يقضيها مع ظلــّهِ باحثًا عن أنسٍ ، يقضي به قيلولةَ أرَقِه!

- أجلْ ؛ لحظاتُ العُزلةِ الـمحمُودةِ تهبُ الفكرَ أشرقَ فجرٍ..بعدَ ليلٍ عسْعسٍ سديم ٍ ، يُهدي الرّحابَ ندًى يُحي في يَبَسِ الأفكار شذاها الـمفقودَ ، و يزيدُ في غناءِ الطيور غُنَّةً ، ضاعتْ بين بُحّةٍ و صدًى مزعجٍ،كئيبٍ يبحثُ في ثنايا جُرحِ الذّكرياتِ الـمؤلـمة – بعدَ بُرْءِ ألـمِها – عن شفاءٍ و بركةٍ عليلةٍ.و قد ينقلبُ الأمرُ و تصبحُ العزلةُ قفْرًا أو مفازةً يـحترقُ تـحتَ رمضائها كلُّ رطبٍ و يَيْبَسُ حيالَها كلُّ نديٍّ.و يصيرُ حَـمْدُها ذمًّا ، و فضلُــها مذلـّةً و همَّا!


- كم أسعدُ كلّما أخْلو بأوراقي ، باثًّا بها رَوْقَ أفكاري ،فتزيدني العزلةُ وَهَجًا ، يُفيضُ عليَّ خواطرَ . طالما أعياني البحثُ عنها في أثناءِ زحمةِ الـمناقشينَ ، و بين ثرثرةِ الـمزايدينَ ، و دبيبِ المذاكرينَ .و لم تكنِ الفسحةُ – بين هؤلاء الشّلــّة – بأفْسَحَ مِن أفقِ ما يتأجّجُ بفكريَ المحموم بـــــِشَبَقِ الأدب!

- العزلةُ بينَ همّين..أحلاهُما مُرٌّ ..همُّ الفكر ، و همُّ الوحدةِ الموحشة ؛ و لا سبيلَ عنهما سوى أنْ تُلقيَ بأفكاركَ – على مضضٍ – في تَنُّورِهِما ، لاستجداءِ خبزِ الـمعرفةِ ، و رغيفِ الإبداع.و قد يكونُ الاستغناءُ عنها في الـمرحلة الأولى لتداعي الأفكار مصيدةً تكسِرُ عظمَ هواجسِكَ البكرِ .بينما ستكونُ القارعةُ الهاويةُ على رأسِكَ إذا ما اْستبدَّ بيأفُوخِكَ كبرياءٌ، يستأثرُ بكَ عنْ مشاركةِ الآخرينَ شواغلَكَ الغضّةَ ،بعدَ أنْ أصبحتْ ثــَـيّـبًا ؛ لا أملَ في زواجها البتّة.



بيرين 2010

 

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 28 يونيو 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 28 يونيو 2012 

مواويلُ  الألَم


مـــــــــــــواويــــــــــــــــل ...


 

 

 و يَمْخُرُ العُبابُ فيضَ الأدمُعِ..

 اللّواتي في الـمَـآقْ .

مَنْ يحْملُ الوِزْرَ الذي دَكَّ

الشُّرودَ في السّياقْ.. !؟

حَرفانِ.. خانَتاهُما على مدَى

سَطْرَيْهِما.. مسافةُ الغموضْ..!

و كلُّ ما عَلاَ  الذُّهولَ ..

كلُّ ما اسْتفاقَ في 

مُرُوجِ خُلوةِ الـمـَحَارْ..

 مُسْتيقِنٌ مِنْ أنَّها بلاَ

 ارْتِيابٍ .. جُرحُنا الغَدّارْ.. !

- الـمَوْقُ  في اسْتكانةٍ  يغازلُ

 الأحزانَ بالدّموعِ كالأغصانْ.. !

تهُزُّها الرّيـحُ ، و يُفْضِي

سِرَّها السُّكونْ  !

حكايةٌ حنَّتْ لِرمشِ دُميةٍ ،

يُقلّبُ الحنينَ ..

فوقَ غفْوةِ الجُفونْ !

 يا حُسْـنَها ،، تلكَ 

الرُّموشُ الغافياتُ

لمْ تزلْ قبلَ الكَرَى..

تُغازلُ الخيالَ كالضّبابِ..

ليتَها تخْتالُ حُسْنًا

مثلَما يغْشى الـمـَدَى

دِفءٌ حَنونْ  !

 

الجزائر- 2011

 


Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 28 يونيو 2012

(2) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

رؤية :

  بينَ الكتابِ و الأنترنيت :


تكنولوجيا الاتصال والمعلومات أداةٌ ...

 

 

         

            ..لا أعتقد بأن دورَ الأم سيكون ذا فاعلية إن لم يكنْ للأب وجود و أثرْ..؟..من الغباء بمكان أن يحلّ أحدُهما مكانَ الآخر..مع العلم أن القراءة الالكترونية - في نظري - قد جلبتْ - مع فاعليتها - نوعًا من الفوضى المنتظمة..أيْ الكتابُ الالكتروني من الناحية النفسية ، في تصفحك " النقور " يكون الشعور ماديا ، بينما القراءة العادية تحلُّ بالنفس و تصل شغافَ القلب بمرونة و سلاسة ، و تحرّض على الحفظ و الاستئناسْ. لأنَّ التّقنيّةَ العلميّةَ الحديثةَ على فائدتها العظمى تشكّلُ لدى المتلقي حالةً نفسيّةً طريفةً ، بَدَا أمامَها حَسيرًا بينَ أنْ ينتهزَ فرصةَ مواكبةِ العصرِ تكنولوجيًّا ،و بينَ أنْ يظهرَ جاهلاً رغم شغفِه المستطيرِ للعلمِ و المعرفةِ؛ حالَمَا يأنسُ بكتابٍ وحيدا.و لكنَّ المنطقَ الجديدَ لهذه الحالة _إزاءَ ٱختيارهِ الأوَّل_ سيفرضُ عليه ٱتِّكَاليّةً سلبيّةً ، تسْلبُ منه شَبَقَ القراءةِ بضغطةِ زرٍّ ؛و بدلَ أن يحظى بمتابعةِ فحوى الكتابِ برُمَّته ، ستحوِّله لوحةُ مفاتيح " الكمبيوتر" إلى التّطوافِ السّريع _ كالنّحلةِ دونَ رحيقٍ يُجْنَى _ بينَ الأيقوناتِ و النّوافذِ .إنَّ التّقنيّةَ لا توصِلُ القارئَ إلى عُمق الفائدةِ بالشّكلِ التّامِّ، و ليس معنى هذا أنَّها لا تفي بشغفِ الذّائقةِ .و قد يحسنُ الكلامُ باعتبارِ أنَّ الكتابَ يُرسّخُ المعلوماتِ، و يثبّتُ السُّطورَ في الذّاكرةِ ؛ خاصّةً إذا رافقتِ القراءةَ _ بالطّريقة القديمة_جُذاذاتٌ بها ما وقعتَ عليه عينُ القارئِ ،و ما علقَ بشغافِ الذّائقةِ ليصيرَ مخزونًا جديدًا .إنني لا أريدُ أنْ أظهرَ منتصرًا للكتابِ على حسابِ التّقنيّةِ ، مادامتْ مكتباتُنا قد أثقلها الغبارُ..و ما دامتِ الجموعُ المحتشِدةُ بمقاهي الأنترنيت، تنتظرُ دورَها ساعاتٍ على ٱخْتِلافِ مباحثِها ولا تجدُ لها مكانًا ؛ ناهيكَ عن المعتكفين في بيوتهم يَنشدُونَ الغرضَ ذاتَه..! 

 

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 26 يونيو 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

مقالة :

المُقَاوَلَةُ الثّقافيَّة

 

 وجهة نظر - منتديات صامطة الثقافية

 

           

 

           مـُخطِئٌ مَنْ يعتقدُ بأنَّ الثّقافةَ تتأتّى قِواها من أصحابِ الأفكارِ و الرُّؤى فحسب؛ لأنَّ القِوَى و المؤسّساتِ التي اليومَ أضحتْ مصالحُها مشتركةً و متداخلةً لابدَّ لها منَ الإقرارِ بأنَّ الثّقافةَ _ كجُزءٍ هامٍّ في عمليّةِ السَّيرِ الفكريِّ لسياسةِ تلك المؤسَّساتِ_ تحتاجُ إلى مقاوَلةٍ مُدَعِّمةٍ لوجُودِها ، مثلما تُثبتُ هذه الأخيرةُ تَوَاجُدَها على أرضِ الواقعِ بمشاريعَ تنمويّةٍ عقاريّةٍ، و تنسى تَوَاجُدَها كأفكارٍ و منهجيّات..!

      _ هل يمكنُنا إنشاءُ ( مقاوَلةٍ ) تدعمُ الثّقافةَ بجميع فنونِها ، و تعملُ على التَّرويج لها ،لبناءٍ فِكرٍ مكتَنِزٍ ماديًّا ، نيِّرٍ ذِهنيًّا ؟!

         .. إنّه ينبغي لكلِّ مجتمعٍ مستنيرٍ ، متقصٍّ لدروبِ التّقدّم أنْ يدعمَ الثّقافةَ فكرًا و فنًّا .. و ليس ما يصرفُه من مبالغَ طائلةٍ على مشاريعَ ضخمةٍ بكثيرٍ إذا ما وُجِّه خُمُسُ عطاءِ هذه القُروضِ أو أقلَّ من ذلك إلى الثّقافةِ..فماذا سيضيرُ المُقاولينَ لو ٱدَّخَرُوا جُزءًا يَسيرًا فصْليًّا لدَعْمِ كتابٍ أو مجلّةٍ أو موقعٍ الكترونيّ ؟ و قد تناهى إلى لُبِّ العاقلِ أنَّ ما يُبْنَى في سنينَ مآلُه السُّقُوط أو التّرميمُ أو الطّمسُ، و قد تناهى إلى لبِّهِ _أيضًا_ أنّ ما يُبْنَى من أفكارٍ و ثقافاتٍ لا تطمسُه الظّواهرُ الطّبيعيّةُ أو النّشاطاتُ البشريّةُ .و قد يحسنُ هنا الاستدلالُ بقولِ الخليفةِ " عُمَرَ بنِ الخطّابِ " ردًّا على رهطٍ أثْنَوا بعطاياهُم و تكرُّماتِهم على شاعرٍ لهم ، ذكرَ أيّامَهم و خلَّدَ مآثرَهم بشِعْرِه :" فَنِـيَ ما أعطيتمُوه ، و بقيَ ما أعطاكُم..! ".

                  .. لا عُذرَ لمَنْ يقفُ بحِياءٍ و حِيادٍ من هذه النّهضةِ الحالمةِ ، المشتركةِ بين المال كآلةٍ مُحرّكةٍ و بين الثّقافة كرُوحٍ مُتحرّكةٍ ؛ و البخيلُ مَنْ يعتقدُ واهمًا بأنَّ دعمَ الثّقافةِ _ كأفكارٍ ترتبطُ بمدلولاتِ المواطنةِ و قيَمِ المجتمعِ و عاداتِه _ هو نوعٌ من فضولِ الأمُورِ يمكنُ أن يُساهمَ _ بشُحِّهِ _ في إفلاسِ الخزينةِ الفكريّةِ و الوجدانيّةِ و هوَ لا يدري البتّةَ أو يدري بجهله و قلّةِ فطنتِه ، إذ باتَ من الهامّ أنْ لا يظنَّ صاحبُ المال أنّ الثّقافةَ هي عنصرٌ لا حاجةَ للمجتمع إليه ؛ و قد ترسّخَ بإيمانِه أنّها من كماليّاتِ التّحصيل ، يمكنُه أن يتواصلَ بها لمُجرَّدِ حاجتِه إلى المُتعةِ أو التّسليةِ .. و هيَ سبيلٌ حَرِيٌّ بالمجتمع أنْ يسلكَها و يتقصَّى دروبَـها ، مادامتِ المادّةُ تحتاجُ إلى منهجيّةٍ فكريّةٍ ، تُرشِّدُ تصريفاتِها خدمةً للوطنِ و حفاظًا على مقوِّماتِه. و صدق ٱبنُ القَيِّم الجوزيّة حين قال :" البخيلُ فقيرٌ..لا يُؤجَرُ على فقره.. ".

     .. لو يصلُ لهيبُ هذه الظّاهرةِ إلى نُهًى حصيفةٍ و أحلامٍ واعيةٍ ، مقَدِّرةٍ لمدى تأثيرِها في تنميّةِ الذّوقِ و تأصيلِ الأفكارِ لَتَوَجَّهَ كلُّ مقاوِلٍ إلى إنشاءِ دارٍ للنّشرِ أو ساهم في إدارةِ جريدةٍ أو منبرٍ ٱلكترُونيٍّ في مقابلِ إدارته لمشاريعهِ التّنمويّة الاجتماعيّةِ من سكناتٍ و مرافقَ ، و لنَصِلَ إلى هذا الوعي و المستوى يجبُ إثراءُ سلسلةٍ من النّدواتِ تشيدُ بالقضيّة ، و تصلُ يدَ المقاوِل بيدِ المبدع تحت غطاءِ الثّقافة و برعاية و تمويلٍ ماليّ.

      .. في الأخير ستبقى فكرةُ " المقاوَلة الثّقافيّة " مجرَّدَ حُلُمٍ ، نجترُّ جماليّاتِه ، و حالما نفتحُ أعينَنا على الواقع يتراءى لنا زبدًا لا رجاءَ فيه..! فهل من مستجيب ؟

 

 

                

بيرين / جوان2012

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 26 يونيو 2012

(9) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 25 يونيو 2012 

قصّة :

بيريــن

 

..." قُرَيـْن ".. شريانُ " الجوابر" ..قلعةٌ دون حصونٍ .. شجرة ٌتعلوه ..تطل على الأخضرِ و اليابسِ .. صخورُهُ لا تتيحُ لك فرصةً لتستريحَ على أريكتها الباهيةِِ..حصانٌ متمردٌ ، يتمنعُ الترويضَ ،لكنه حـُر وأصيل ْ.

في ركنِ زاويةِ الكهفِ .. يتهيجُ إحساسُك بأنفاسِ مَنِ ارْتادُوهُ .. همْ كذلك ( صُلاّحٌ) مباركون، بركةَ جوهِ المشحونِ بالاطمئنانِ.. لَكَمْ كُنا نغالبُ أنفسنا حتى نصلَ قمتَه منهُوكِي القوى ..نتفيأُ ظل شجرتِهِ .. تحتَ شمسِه الحارقةِ الحنونِ .. و ليس ببعيدٍ منه.. الهامةُ العز" عاسْ رُوحُو " يمد يداً بضةً بالتواصل و الحب .. ففي مثل هذه اللحظات يكثرُ المناصرون لأيهما .. وينتصرُ الإثنان.

.. أذكرُ مرةً تلك الزيارةَ الربيعيةَ .. المعبقةَ برائحةِ الزعترِ المتماهي في " البقرير .. الروينة.. الكعبوش .. قهوة الصفاي" .. و رائحة القطران المنبعثة من " القْنُونَة " ..

كلها شواهد على بساطةِ الحياةِ السعيدةِ.. بينما كنا نلهثُ باحثِينَ عنْ حباتِ " الفقاع" دون كللٍ أو ضجرْ.

- لا ينبغي أنْ تتعبقَ القهوةُ بغير هذه البهاراتِ..تحت تلك الشجرة ..أو بين جنباتِ الغارِ المفروشِ بعبيرِ السكونْ ..!

... لا أجدُ لمن أحبها وصفاً يليقُ بمقامها ... سوى أنها تأتي إليفي أثناء القيلولة كما الثلجُ يباركُ الأرضَ الجافةَ بعد اشتياقٍ طويلٍ .. كلما أستلقي على سريرِ هجيرِ الذكرياتِ اللافحِ المكسورِ ..و لا أجدُ حراكا .. فأخلدُ إلى النومْ .

... تعاودُني لمساتُها اللطيفة ُعلى كتفـي المثقلِ بأسئلتها :

- مَنْ يكونُ الذي يسألُ بدونها ..؟

- .............................. !

   ..الدهشةُ أبْـلغُ منْ أنْ تجدَ لهذا السؤال جوابا، يتملصُ من تحت لسانكِ المعقودِ ، منذُ أنِ احتل اسمُها شغافَ عقلي وقلبي وصد دهاليزَهما و شرفاتِهما دون سابقِ إشعارْ .

... ذات مرة - وأنا أسابق "هيثم "على ضفافها - و النحلُ يعزفُ ألحانَه برتابة ٍصيفيةٍ ، بعيدًا عن المقهى الذي ألفنا ارْتيادَهُ .عاودتْهُ السؤالَ الذي لنْ يجيبَ عنه كعادته:

- " بيرينُ .. هل تَجْبُـرُ قلبَ مَنْ تعشقـُه و يعشقُها !؟ " .

ويبقى السؤالُ عالقاً، والحيرةُ واجمة ً، منقوشة ًعلى وجهي الأسمر،و الجواب دائما : ... " .

... بَقِيَ منَ الوقتِ ما لمْ يمْضِ منه.. مرتْ خاطرةُ السؤالِ مُرُورَ فراشةٍ كانتْ تحاولُ صعودَ البابِ المزركشِ بالألوانِ الدهنيةِ الجميلةِ .. كانت قد حسبَتْها نوعًا مِنَ الرياضِ التي تترددُ عليها كثيرًا كل مساءٍ .

..اللهفة لأن أجد لكل أسئلتها المتعبة جوابا مفعما بالإثارة والصفاء أكبر من كل المتوقع ،وأغبى مِنْ ظن هذه العابرةِ البريئة ...

لم يكنِ الجوابُ عن السؤال مُهمًا .. فالمهمُ أنْ يكونَ السؤالُ مقنعًا ، حتى يتمكنَ الجوابُ هو الآخرُ من الوصول إلى عتبة التحررِ من سجن الإبهامْ . سألته بين رجاءٍ و يأسْ :

- هيثم .. بيرينُ .. تنادينا..ككل أم.. و ليست ككل أمْ !. حينها رددتُ بيتًا من الشعرِ لطالما أفرحني و أبكاني :

لَـلْبعدُ يقتلُ كل ذكرى واهماً  ***  أني نسيتُـكِ قلتُ "مـا أنسـَاكِ

 

.. الدمعةُ في عينيها تنحدر بشرفٍ و كبرياءٍ ، دون أنْ تُحدثَ زلزالاً من تحت قدمينا .

- ماذا لو قلتُ لها : " ليس عندي منديلٌ أجففُ به دمعَك.. لكني سأجعل من نسيم قلبي البارد ، يجفف بِهَبتِهِ ما استبقى من آثار حزنِكِ الساحر " . ثم انصرفتُ غيرَ بعيد ٍ..دون أن أكترثَ بما ارتسم في خاطري من شجون.

... تبسمتِ ابتسامةً متأففةً .. أرادتْ أنْ تُعاودَ اتْزانَها المعهودَ. مثلما كانت تفعل بعد كل حزن ..كان يتصيدُ فيها خريفَهُ !.. أطلقتْ للنسمةِ المسائيةِ ذراعيْها ..

تسربتْ قشعريرة ٌإلى جلدها المنهكِ ، بإبرِ السنينِ العجافِ .. وشـوكِ المتشائمين الجُـدُدِ القدامى من لحظاتها النشوى .. حينها ربتَ على كتفي " هيثمُ " .. و قالَ بعد تأملٍ كبير ٍو صبرٍ قليل ٍ:

- يا لك منْ مكابرْ !.. إنها معي بين دفاتري و في أحلامي المغبرةِ في روحي، من قبل أنْ ألجَ ثراها المتعبَ بالأقدام الشفافـةِ.. وكيف تبحثُ عن سعادتها وقد وزّعتْها على كل من أحبها وأحبته..

وكل من تنكرَ لها دونما سببٍ ، فصبرتْ على لؤمه .. وأعطته !

 ... بعد كل ما جرى تذكرتُ أنه لم يزلْ للوقتِ متسعٌ حتى أتمكنَ من البحثِ عن سعادتِها المشتتةِ.. هنا و هناكْ . نعمْ ! الوقتُ مايزالُ كافيًا لأجل ذلك .

..أتُرَى سيُسعفنا الأجلُ لنُلملمَ سعادتَها الضائعةَ بينَ شتاتِ أبنائها ..؟

.. في طريق عودتنا للمقهى الذي نرتاده كل مساءٍ .. انقطعَ سيلُ حديثنا فجأةً ..وقع شجارٌ بين رجلين.. أحدهما يصرخُ متهماَ الآخرَ بالسرقة.. يهدّئُه بعضُ مَنْ يعرفهُ، و الآخرُ يُطيلُ النظرَ في صاحبه مبتسما كأنْ لمْ يحدثْ شيءٌ بينهما . والواقع أن الأول أخطأ في العنوان ..

فلم يكنِ الثاني سوى شبيهِ مَنْ كان يظن أنه هو السارق... !

... حينَ كانتِ العصافيرُ تزقزقُ ، بينما أتَرشَفُ قهوةَ المساءِ المفضلةَ لدي، تناولَ " هيثمُ " سيجارةً ..كان يبدو عليه بعضُ التوترِ.. بدأ َ يُخربشُ بالفرنسية على ورقةٍ جَلَبَها معه مِنِ امْتحانِ هذا اليوم، تلصصتُ لأقرأ ما فيها .. لكني لم أفهم شيئا.

لمحتُها ..لمْ أتبينْ باقي الخربشةِ .. تيقنتُ أن ما قيل بالأمس قد حَرّكَ اللحظةَ فيه ساكنًا .

و أسرعتُ بالسؤال :

- قصيدة جديدة .. إذنْ !

- نعم .. ولكنْ !

- ما بالـكْ ..!

- الضجرُ يتسللُ إلـيّ .. أشعرُ أنّ الباقي سيكون حزينا !

- حتى لو...

- يا صديقي .. خلقنا لنُسعدَ الآخرين لا لنزيدهم هَماً .. ومن سيقرَأُها سيضحكُ لسخريتها.. وسيبكي لسخريته و اكتنفَهُما الصمتُ منْ جديدْ .

... تغيرتْ نبرتُه .. هذا ما كنتُ أبحثُ عنه ..لكنْ سوف يسألني حينها عن جوابي المفعم ِبالغموضِ، حالما نجلسُ قليلا بـالمقهى البعيد عن ضجةِ السياراتِ و الناس ِ.. جلسنا .. أمسك كأسَه التي اعتاد أنْ يشربَ فيها .. ترشفَ .. تنحنحَ ..مُبديا تضمرَهُ من طعمها الجديدِ . لقد قدّمَها إياه النادلُ الجديدُ ، سمعتُهم ينادونه " عُبيزة ".. لم ينتبهْ لذلك بعـدُ .. يبدو أنّ كلّ شيء في هذه المقهى سيتغيرُ هو

الآخرُ..

و اسْـتدارَ ثائرًا :

- " وهل سيغيرُ الوضعُ من حالتها شيئـًا !؟ "

تحاملتُ حرّ  ذلك اليوم ، و قلقـَهُ .. أطلقتُ ضحكةً ساخرة ً.. لم أجدْ لها من داعٍ .. و تأوّهْتْ :

- " بيرين ..ما أصعبَ أنْ يشعرَ الواحدُ بالحُمىّ وقدماهُ تقفـان فوق قطعةِ جليدْ ! " .. و عاد كلاهما إلى بيته .

.. استمرَ السؤالُ يمزّقُ إهابَ ما يعترضه .. و القرية ُالبيضاءُ ..الرّماديةُ.. الخضراءُ ..سمّها ما شئتَ أنْ تُسميها.. لا يتسربُ إليها المللُ مثـلنا ، فاللونُ لنْ يُغيرَ في صميم الجوهر شيئا ..ما دامتِ المدينةُ هي المدينةَ و الطيورُ كذلك.

.. كان الوقتُ أصيلاً، ينازعهُ الغروبُ حُلـتَهُ .. عيناها لا تجيدان الغمزَ مثل الغروبِ ساعةَ الشفقِ ..جميلتان جمالَ حيائهما .. تعلوهما رموشٌ مخملية ٌ..لم يكنْ لهما نظيرٌ بين كافةِ الصورِ و الملصقاتِ التي شاهدتُها والتي لمْ أشاهدْها بعدُ ....

القمرُ الذي تألقَ ليلتَـها تمنعَ ضوْءُهُ من المباهاةِ ..إجلالا لهما.

ما يُميزُها.. ضفائرها المسدلةُ على جبالها البنيـة الشمّاءْ ..

.. هي لا تجيد فنّ العشق ولكنها تزلزل مَنْ يعشقها بفنٍ دون أنْ تُبادله إيـاه .. تقاسيمُ وجهها تعيدُ حساباتِ الكثيرِ مما سقط من سجلاتِ الذاكرة ِالجحودْ .

   لم يترددْ " هيثم " لحظتَها أنْ يبادلني السؤالَ في استحياءٍ و انتشاءْ

- ألمْ تشربْ خمراً أشهى و أزكى منها.. !؟ .

- بلى ! بل إني أتصيدُ رائحتَها مِن غير أنْ تضُوعَ رائحتُها .

مثل ابتسامةِ "جُوكَنْـدا " الساخرةِ المحيرةْ .

.. لعلي الآن فقط تيقنتُ أني تعسفتُ في حبها .. لمْ أبحثْ عنها في نفسي .. قاسمتُها خبزَها .

" جابـرية " ..لمْ تكنْ مثلَ باقي النساءِ ..اللواتي تصرُخْنَ متذمراتٍ في غضبٍ :

- " لماذا تُدفـنُ الأضواءُ ليلاً ، و لا فائدة َمن إحيائها نهارًا !؟ "..

مع أنها كانت – بحياءٍ – متذمرةً مثلهن !

.. و عاودتني الحيرةُ بوجُومٍ خائـرٍ من جديدْ :

" كمْ خانها الحظّ  مراتٍ معهم ( ! ) ، وحالفها مرةً معنا ".

... " الغريبُ الطيبُ " أحدُ هؤلاء الذين حالفها الحظ معهم.. أَحبها رغمَ حداثَةِ عهْدهِ بها ..جاءَ ضيفا يُشِيعُ النورَ في ظلمةِ بعضِ أبنائِها.. هو أيضا لمْ يَـرَ حريقًا منْ قبلُ ، حتى أمسكتْ كلتا يديْهِ بِدلْوِ ماءِ " أُم الرّيـشْ " أطفأ به لهيبَهُ و لهيبَها.. وقال : " الحُبّ يُـلزمُكَ الوَلاءَ لمَـنْ تُحِبْ ..و الرّضَا بسُخطِ مَـنْ تكـرهْ ! " .

-عندما احترقتْ ذاتَ شتاءٍ ، ازْدادَ حزنُها .. ما من سبيلٍ لإطفاءِ نارِها منْ أنْ نُلملمَ رمادَ ما احْترقَ ، لنشيدَهُ حدائقَ طالما انتظرتْ ساقيها .. حضرتني – لحظتها – في أنا بيته مقولةٌ للصديق الأب "

د/ فاروق عبد الله ".. التي استشهدتُ بها تعقيبًا على ما حدثَ أيامها.. وقد اعتبرتُها خلاصةً لما جرى :

" حينما تحاصرُنا أخطاؤُنا ، فإننا نُلقي اللومَ كله على القضاءِ و القدرْ " . و يا لها من نبؤه.. !كان علينا جميعا أنْ نقفَ مثلَ باقي الواقفينَ في الصف الثاني.. رغم أنه صفّ واحدٌ..ولكنا أبينا أنْ يكونَ الواقفُ من أجلها صفين ..وكنا في الصفّ الثاني.. ولكنْ في الخطّ الأول !.

.. مواعيدُ الفرحِ المقبلِ التي تُبـدّدُ ضبابَ الحزنِ و اليأسِ و الفاقةِ.. سيكتنفها بعضُ الحزنِ هي الأخرى .

" بيرين "..هي التي علمتني مَنْ أكونُ ..ومَنْ تكونُ .. هي التي قالتْ لي قبيلَ الحريقِ بلحظاتٍ :

- " صاحِبْ نفسَكَ ، وكُـنْ مُحبًا لغيرِكَ مِنْ خلالـكْ " .

... سبحانَ الله !.. للنبؤة عملُها في مَنْ تحبُ . والثوبُ الأبيضُ المتلألئُ المحترقُ ذاتَ شتاءٍ ، كان له أنْ يحترقَ .. لأنّ صاحبتَه لم يكنْ بمقاسها هو..ألقيتُ نصيحتَها جانبا.. و تعمدتُ أنْ أتجاهلَها ..

ولكنْ !.. حدثـتني .. همستْ في أذني ..ممسكةً بها بقوة ٍ:

- " إذا فهمتَ شخصًا قدْ تحبُه .. وإنْ أحببتَهُ قدْ لا تفهمُه ! ".. تركتْني في حيرة ٍمن كلامها المطلسمِ بالوضوحِ و آثارُ أقدامِ أصابعها تطأُ أذني بقوة ٍ، مازلتُ أحسّ بوقعها منذُ أكثرَ من عامْ.

.. تذكرتُ حينها حكمةً من صنيع أخي " الباشق" تمتمَ بها لي و نحن عائِدَيْنِ من"حاسي سديرة " كان أنْ أقَلَنا إلى هناك صاحبُ شاحنةٍ بعد أنْ نفدَ منها البنزينُ ، فما كان لنا إلا أنْ ترَجلنا حتى المدخلِ الشمالي للمدينة.. لمْ يُسعفني الموقفُ في أنْ أُدوّنَ ما قاله ولكني اعتمدتُ هذه المرّةَ على ذاكرتي المرهقةِ بغبارِ الجامعة..

سألته إعادتَها ..أجاب منتشيًا :

- " ليس عليكَ التعالي بالمستحيل ، بقدرِ ما أنتَ عالٍ في نظرِ الآخرين بالإمكانْ ! " . . لمعتْ عيناها ببريقِ الإعجابِ لما قال ..و ردتْ :

- " ذلك هو اللغزُ.. لا يستبينُ لطالبه حتى يتصورَ مبلغَ حبهِ لمَنْ حولَه ..و كيف يُحبُ مَنْ أحبوه وهو لا يعرفُ معنى الحبّ.. معنى أنْ يضحيَ منْ أجلِ أنْ يُسعدَ الغيرَ ..مهما أُسِيئَ إليه .. ! ".

... الثانية عشر ليلاً.. الليلُ الباردُ يلفُ المكانَ .. وفي تلك الحديقةِ ..الدافئةِ .. الهادئةِ .. البعيدة ِعن أعينِ البخلاءِ .. يسلو شبحُ الشعرِ والطبّ في عظمةٍ و خيلاءْ ..

آهٍ عيسى !.. همكَ وحبكَ الجريئان لبيرينَ .. يمنعانِكَ مِنَ البوحِ ..في عزّةِ " الخوجة " و شموخِ الابنِ البارّ المعذّبِ برائحةِ الكتبِ ..المُلْهَمِ بتناقضاتها ..هولا يكتفي بهمسِ " أميرةَ " له برسمِ أو كتابـةِ قصةٍ..كان رسْمَها مبعثُ وحيِه.. لا يتصور يوما يمرّ و لا تتناولُ كلتا يديْهِ كتابًا ، يفجرُ به أعماقَه فكرًا.. يفضلهُ أنْ يبقى فكرًا دون ورقٍ أو حروفٍ، رغم أنها تشغلُ كاملَ تفكيره و قد لا تكفي الأوراقُ بل الحروفُ لتحتلّ ما سكنَ فيها من سحرْ.

 .. دراويشها .. سحرُها الساكنُ في أوراقها المحترقةِ .. تعرفُهم دونَ أنْ يُشارَ إليهم بالأصُبع .. يستقبلُونَكَ بشطحاتهم و هُتافاتهم .. " بن جيدة .. بن مالك بن العطرة .. قويدر.. فطوم.. السبيسي .. الدربالي" وآخرون ماتوا ، لا يرغبون سوى في سيجارةٍ أو كأسِ قهوةٍ في مقهى " سي مسعود " ... تجدهم يتحلقون قصعةَ " المردود " على جنباتِ الطريق ِالعام ِ، لاعْتيادِ الجوابر تقدمةَ المعروف  كلّ جمعةٍ .. فهم مؤمنون بتصاريف القدر.. يرددون :

- " المعروفُ يمنعُ من البلاءِ و الخوفْ ..! ".

أصارحُكَ القولَ : " عيسى.. إنه ُ- يبدو لي ما تتحاشى كتابتـَه - هو عينُ الصواب .. ! " .

... في اليومِ الأخيرِ.. و في ساعةٍ متأخرةٍ .. هبت نسمةُ الصيفِ المدجج ِبالسمرِ.. و َجَدَتِ الأجوبةُ ملجأََها .. في قصيدتي التي عَنْوَنْتُها باسْمكِ ..

لا أصدقُ أنكِ نجوتِ منْ شتاءٍِ أحمرَ قاتم..! و كيف لا !؟..

وهذا مصيرُ كلّ سؤالٍ يتملصُ من ربق الحقيقةِ.. حتى دراويشك سوف يردّدُونها بلحنِها النشازِ . لا يهمّ اللحنُ ما داموا قد عشقوا حروفَها و معانيها .. و قرّروا حفظَها في هلوساتِهم..بكاءاتِهم.. وسْوساتِهم الجنونيةِ المحيرةْ .. !

" إنكِ تـؤْمنينَ بالقَـدَرْ  ..

والقَـدَرُ لا يعترفُ إلاّ بمن يـُؤْمنُ بـه "

.. أرختْ وشاحَها الخُمْرِيّ..ألقتهُ على كتفيها..ابتسمتْ ..ثم أجابتْ بصوتٍ رخيمٍ ..هادئٍ.. مُطْمَئنْ :

- " بُنـيْ.. !

.. العاصفة التي تهبّ كلّ شتاءٍ .. تصيرُ – و الحمدُ للهِ – برداً و سلاماً و هناءْ ".

***

 

و رفعتْ رأسَها إلى السماءِ – كعادتها – مُصَليةً .. تنـشدُ ما فاتها من صلواتِ الفجرِ السعيدِ...تحت شجرةِ " قرين " التي لنْ تكونَ أسعدَ من غيرها.. لو لم تكنْ على أرضها.. الطهورِ.. الصبورِ.. "  بيرين "

 

 

 

بيرين :2006

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 25 يونيو 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم




\/ More Options ...
manarati
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» manarati
  • مجموع التدوينات » 323
  • مجموع التعليقات » 511
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة