قراءة في قصيدة " غدًا يُشرقُ الوطن "

للشّاعر الجزائري يوسف الباز بلغيث


بقلم الشّاعرالتّونسيّ / جمال الصليعي

 

Ma Tunisie (9asba)


 

 

يعلن الشاعر يوسف الباز بلغيث منذ البداية عن واقع مظلم للوطن بصياغة عنوان محايد في تركيبة جملته بالإعلان عن إشراقه مستقبلا لكنّك تستشفّ من العنوان زرع الأمل باستعمال البهاء الضّمني في اللفظة الفاتحة غدا وفي الفعل الخبري يشرق وما للّفظتين من مخزون دلاليّ أمليّ


بلا مقدّمات ولا تخفّ تبدأ القصيدة فيما يفترض أنّه معلوم ثابت للجميع بتوصيف شعريّ عن وطن في صراع مع "الإحن" لا هو يهدأ مستسلما ولا هي تهدأ منغّصة وذلك باستعمال فعل المشاركة عاند فيتشظّى في أحواله بلا منطق واضح


وَطنٌ تُعاندُهُ الإحَنْ
مُتَشَظّيًا مثلَ الجُنونْ.. !


فيرزح تحت الهموم وتغمر أهله فيه منافي الحال والإحساس على كلّ لون بامتداد مساحته مشرقا ومغربا فتشكو حاله إلى أزمنة الصّفو والعزّ التي كانها كوطن حتى كأن الهموم لا ترضى أن تكتنفه فــ (يعاتبها) الشاعر : يداك أرأف بالوطن.


ما زالَ تكتبُـهُ الهُمُومُ بِحبْرِها ؛
يا ألفَ منفًى غارقٍ فيهِ بـِـلاَ كَدٍّ..
و تشكُو ضِفـَّـتاهُ
بلابلَ الصَّفْوِ الحَنونْ ..!
يا رأفَةَ الهمِّ الكَنُودِ ؛
يداكَ أَرْأَفُ بالوَطنْ.. !


ويغلب الشجنُ الشاعرَ شكوى وغناء لتأخذ القصيدة نسقا متصاعدا من (شروح) الألم فيوطن يتشكّل في كل جميل وخصيب وفي كل موجع وعميق يحوّل الشّاعر قصيدته آهة تتحول نغما شجيّا بثقل همّ الوطن في الرّوح الشّاعرة المجنّحة وتأخذ المفردة الشعرية كلّ دلالات الندى محمّلة بغنائيّة النّغم الحزين :
يا جُرحَهُ المُلْقَى على صَخرِ الـمُـنَى../ فخريّة الحزن الأصيل مردوفة بأحاسيس الجمال وقراءات (الوجد) في معنى الوطن


أنتَ القصِيدةُ ,, و الوَتــرْ..
أنتَ السَّنابـلُ ,, و الـمَطَرْ..
بلْ أنتَ أشْـــرَقُ مِن سَنَا
تلكَ التي شَعَّتْ ؛و لمْ تَرفـقْ
..
بِطَيـرٍ..أوفَنَنْ !

ويمضي الشاعر في استطراد شجني تسبقه العبارة والعبرة مبحرا في مركب شعري زاده مزيج من قراءة الحال ورفضها قناعة ثابتة بقيمة الوطن موغلا في جمالية الصّورة جسرا لبلوغ المعنى :


_
وَطَنٌ يمُوتُ؛ و يسْتَجيرُ بظلِّهِ..
قُرْبَ الأمانِي حُلمُهُ الـمغْرُوسُ
..
فـي دِفْءِ الهُروبْ..
مُتآمِرٌ عينٌ عليهِ .. وَ حاجِبانِ
..
وَ دمْعتــانِ ..وَلَوْعَتـانِ
..
كما الغُروبْ.. !
و النَّـهرُ ,, و الـمَرْجُ القديمُ ..
و ..نخلتــانِ..و بعَضُ أنفاسِ الشّجرْ..
وَطَنٌ يُغنّي خلفَ ألحانِ
القِراحِ سَدِيمُـهُ..
يقْتاتُ مِنْ شِرْيانِهِ
الـمَعطوبِ في جسَدِ
الرّياحِ نسيمُهُ..


ربّمااختار الشاعر الوقوف عند الألم خاتمة لقصيدته (اللّوحة) تعبيرا عن (غضب) حضاري وإنساني فوقف عند الإبداعي حذرا من التنظيري ليحافظ على شعريّة النّص


ضاعتْ معَ الأحلامِ
ذِكراهُ اليتيمةُ..
ضيَّعتْ أثَرَ الخُطـى..
و ٱسْتقبلتْ شَوكَ الضَّياعِ بصَدرِها ؛
و أمَدَّتِ العُنُقَ الأصيلةَ للذّئابْ !
يا موطنًا ضَنَّتْ يداهُ بجُودِها
و توَسَّلتْ ، تَرجُو القُمامةَ..
و الكِلابْ .


القصيدة وقفة إبداعيّة لمثقّف شاعر من داخل شرفة وطنه/وطننا كموقف من حال وطن يؤرّق كلّ مبدع صادق طموح كـ (مواطن) من (نوعيّة) هامّة من أبناء الوطن حمل وحُمِّل وجعا أكثر من غيره على قدر درجات الوعي المتفاوتة بطبعها وهي أيضا اضطلاع بــ(مسؤوليّة) إضاءة (الضّوء الأحمر) عند مفارق الأزمنة.

 


تونس 30 أكتوبر 2012

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 31 أكتوبر 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 24 أكتوبر 2012 


مقالة :

الوطنُ في عيون النّشء

 

 

      عبدالقادر الجزائري

 

 

         ليس مبحثَ هذه المساحة الصّغيرة تشخيصُ مبتغيات نشْئِنا المعاصر، لأنّ المجالَ يستدعي رصدًا إحصائيًّا ، نفسيًّا واسعًا لما يدور في فلك وجدانهم إزاءَ فكرة " الوطن " ؛ و لكنّ الخاطرَ المتسلّل بشغفٍ إلى هذه المساحة يريد توجيهَ نظرِ النّشْءِ إلى ما يجري حولَه من متغيّراتٍ، بدْءًا من محيطِه الكبير و ٱنتهاءً إلى محيطِه الصّغير.

 ·       قيمةُ الوطن و مقوّماتُ خدمته :

 .. لا مريّة في أنّ حبَّ الوطن لا ٱختلافَ فيه ؛ بل إنّ مَنْ يدعّي أن يهجرَ وطنَه لسببٍ ما لابدَّ من أنّه قد بدأت فكرةُ هجرانِه بحبٍّ عميقٍ ، و تصوُّرٍ وجدانيٍّ خلاّقٍ تجاهه ، ثمّ بدا أنَّ الوطنَ الذي لم يفِ بحقّه قد يكون الهروبُ منه بدعوى الاغتراب وجهًا من أوجه عدمِ الرّضا عن أوضاعه ، و درْءًا لقضيّة " العالة عليه " و في الحالتين نجدُ الوطنَ يتقاسمُ ألمُه و أملُه قلبًا ، قالَ بحبِّه ، فخانتْه ظروفُ الواقع .

 ·       القدوةُ الصّالحةُ و ضرورةُ المجايلة :

         .. إنَّ مَنْ يهيمُ قاصدًا مَعْلَمًا ما و لا دليلَ أو خبيرَ معه يرشدُه الطّريقَ سيتيهُ حتمًا ؛ و إنْ وصل إلى مُبتغاهُ سيصلُ مُنهَكَ القوى ،و قد ضيّعَ وقتًا ثمينًا، أتى على فراغه و صحّته و تفكيره؛ و لن يفيدَ من عنجهيّةٍ عمياءَ ، بحكم أنّه قد أصبحَ راشدًا ، يعرفُ ما يضرّه و ما ينفعه ، و في هذا ينبغي أن يبحثَ النّشءُ الواعدُ في تاريخه عن نماذجَ و أمثلةٍ تسطّرُ له معنى هذا الحبّ الفريد _ وإن كان سيكتسبُه على فطرةٍ تحتاجُ إعادةَ تشكيلِ تقاسيمه_ و من ثَمَّ ستتبلورُ تجربتُه عن قوالبَ متينةٍ ، لها نظائرُ قريبةُ العهد منه، يستطيعُ أن يصلَ إلى تجربتِها مشكّلاً تجربتَه المؤسَّسةَ عن أرضيّةٍ صلبةٍ و أساسٍ متين.

 ·       الشّخصيّةُ المكتسبَة عن خواءٍ وطنيٍّ :

       .. يعتقدُ بعضُ الشّباب أنّ تصوّراتِ تلك النّماذج _ في فتْقِ تجاربِهم المختلفة _ هي حالةٌ عابرةٌ ، يستطيعُ تخطّيَها، و بدلَ أنْ يبنيَ أفكارَه و رؤاهُ على بناء هؤلاء ، و يضيفُ إليها ما يراه مناسبًا موائمًا لعصره، يهدمُ البناءَ ،و يشيِّدُ هندستَه في حبِّه للوطن بأفكاره الغضّةِ دونَ درايةٍ و تقديرٍ لعاقبةِ طيشِه و عنفوانه..!

 .. ليس مُنتهى القصدِ التّقليلُ من تجربتِهم الجديدة أو الطّعنُ في صدقِها بقدر ما أريدُ أن أشيرَ إلى مدى ضرورةِ تلقيحِ الأفكار و تجايُلِ التّجارب؛ فلا سبيلَ للرّقيِّ بوطنٍ نُحبُّه ، و لا نقدّرُ قيمتَه إلاّ بإحساسٍ و أمنياتٍ و تصوّراتٍ، و الأمرُ لا يقفُ عند حدِّ لفظة (حبّ) و فقط ! .. إنّه إحساسٌ و عملٌ و ٱستشرافٌ لما هو آت!.

 ·        التّقليدُ الإيجابيّ و التّقليدُ السّلبيّ :

       .. إذا فهمَ النّشءُ ما يدورُ حولَه من أحداثٍ سيثقف جيّدًا الدّورَ المنوطَ به تجاه وطنه و قبل ذلك في مشاعره نحوه؛ و " السّيرةُ تُنبيكَ عن السّريرة ". فالمقلّدُ للغرب في كلّ شيءٍ قد يجني يومًا ما فائدةً على ضآلةِ مَردُودِها ، و مَن رضيَ بالقشور فلنْ يستفيدَ شيئًا!

 .. سألتُ أحدَ الشّباب بعد الصّلاة _ و قد كان لابسًا قميصًا فيه صورةٌ لنجمٍ  كُرَويّ شهير_ :" كم سجَّلَ هدفًا ؟ " فأجاب بعدد الأهداف و في أيِّ نادٍ يلعبُ و أينَ و كم يتقاضى !.. و لكنّه فُوجئَ عندما أعلمته بأنّه يتقنُ أربعَ لغاتٍ و يحضّرُ للدّكتوراه. فما معنى أن يصلَ إلى نُهى شبابِنا و أبنائنا معنى تقليدٍ سطحيٍّ من وراء تسريحةِ شعرٍ أو بذلةِ "جنيز" مشرشفةٍ لهذا النّجم ، و يتمُّ حَجْرُ تفكيرهِم عن الغاية من هذه النّماذج ،من خلال توجيه نظرهِم إلى قيمةِ العلم لديه في مقابل رياضةٍ و شهرةٍ ستلقيان به إلى ٱعتزالٍ عن قريب، و قد أدّى مهمّتَه بنجاحٍ و إخلاص .

 ·       قراءةٌ متأنيّةٌ لتاريخنا و سِيَرِ عظمائنا :

 .. إنّ من سبُل ترشيدِ خطى هذا الجيل الواعد قراءةَ سيرة عظماءِ هذه الأمّة عبرَ تاريخها المجيد الطّويل، ولا يضيرُه أن يقرأَ عن نماذجَ أجنبيّةٍ ، ضربتْ أمثلةً مشرقةً في مسار الحضارة الإنسانيّة ..و لا شكَّ أنّ سياساتِنا التّعليميّةَ الحكوميّةَ و التّربويّةَ الأسريّةَ ستحتاجُ إلى مراجعاتٍ عديدةٍ لاستدراكِ الوضع قبلَ فوات الأوان ؛و في حديثي عن القوالب المتينة في سير التّحليل يجبُ أن نضيفَ إلي تلك القدوةِ الصّالحةِ معنى الاعتزاز برجالاتِنا و حضارتِنا و دينِنا و لغتِنا ، ليتغلغلَ حبُّ الوطن الحقيقيُّ إلى سويداء القلب ، فيترجمُ اللّسانُ و اليدُ و القلمُ و الفكرُ هذا الحبَّ مشروعًا يسمو بالوطن عن جدارةٍ و صدقٍ و مكاشفةٍ مع الذّات .

 •     •     •

 كفى بشبابنا ٱستهتارًا  و ٱنسياقا وراءَ سرابٍ و شعاراتٍ و خيالاتٍ مزيّفةٍ ، يهمسُ لهم في آذانهم بأن لا خيريّةَ في وطنٍ كساهم و علّمهم ، و آمنَهم من جهلٍ قابعٍ أو عدوٍّ مخادعٍ ؛ و أخفى الحقيقةَ القائلة إنْ أكرمهم أذلَّ عزّتهم و وُجودَهم ، و إنْ أذلّهم أكرمَ عُبوديّتَهم !.

 فكم يساوي الوطنُ عندكَ،، أيّها النّشءُ الواعد ؟!..و كيف سترى وطنًا يبتسمُ إليكَ ؛ و عينُك رمداءُ توحي إليك بخيالٍ ، يشكِّلُ لك ملامحَه شيخًا لا نفعَ منه ؟!.

 

الجزائر 2011

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 24 أكتوبر 2012

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 20 أكتوبر 2012 

 

منافِي العِناد

 غروب ،، وأمل جديد

 



 

 
حلَّ الكرَى و  ٱستوطنَ  الأهْدابَـا
و أذَلَّ طرْفًـا كالنَّـدَى  جَذّابَـا
و جِرَارُ عَينِي قد تعاهدَها  الظَّمَـا
بِوعيدِ رَيٍّ..كـان بِـي  مُنسابَـا
مُتَأزِّرًا من بعـدِ  فجْـرِ  الملتقـى
ثوبَ الحنينِ..و يرتجـي  الأحبابَـا
هَدَّ الشّغافَ ؛فشَفَّ  عن  إدراكِـه
سِحرُ الخيالِ..و ذا حسبتُ سرابَـا
لغةُ الغرامِ تصُبُّ كأسًا من  جـوًى
تهوي عليَّ ,,و  تُسكـرُ  الألبابَـا
فتناثرتْ مثـلَ  النّجـوم  حمائِمًـا
يَرْتدْنَ دوْحًـا ،، بالمنـى أسرابَـا
هيَ بالضُّلوع تهُبُّ أحلـى نسمـةٍ
تختـالُ فيهـا..إذْ تشُـقُّ  إهابَـا
مالِي أعانِدُها و جرحِيَ  هيِّـفٌ  ؟
يا صبرَ جرحٍ بالمُنـى قـد  شابَـا
تغشَى الحروفَ..كما يطوفُ بقاربٍ
لَيـلٌ دَجِـيٌّ يقـرَعُ  الأبـوابَـا
أفْقَدْنَنِي عذبَ الكلامِ ، و سِحـرَه
و الصّمتُ أوصدَ في  الشّفاهِ  جوابَا
أَلْفَيْنَ سطْرًا عن عُيـونِ  حبيبَتـي
و السَّطرُ يهفُو لـو يصيـرُ كِتابَـا
ذا طَرْقُ شَمسِ الحُبِّ دونَ كلالـةٍ
في صفْحتي البيضاءِ  ،،بابًـا  بابَـا
كلُّ الأماني قد تداركَهـا الكـرَى
بهَسِيسِ حُلمٍ ..لـم يـزلْ هيَّابَـا
مثلَ الغريبِ بشارعِ النّجوى ٱهتدَى
يبكي الحنانَ ،،و  حظَّـهُ  أحقابَـا
حـلَّ الكـرى متعطِّـرًا بعذابِـهِ
فـي نشْـوةٍ ،، متأنّقًا..خـلاّبَـا
صدَقَتْ سواقِي الحُبِّ وَعْدَ خريرِها
يا صدقَ وعْدٍ قد  وفَـى  كذّابَـا
 



بيرين / الجزائر 2010
Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 20 أكتوبر 2012

(11) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 نقد :

 

قراءة لقصيدة ( سعَفُ الحنين )

..للشّاعر الجزائري يوسف الباز بلغيث

 

A statue of the famous Iraqi poet Abu Tayyib Mutanabi on the River Tigris Iraq - Baghdad 18 - 10-2011

 

بقلم / الشّاعر العراقيّ الدّكتور " مثنى محمد نوري"

 

           يبتدئُ الشّاعر قصيدتَه ببيتٍ رائع له معنًى تاريخيّ ودينيّ عميقٌ و معبّر.. فهو يقارن مأساته و حزنه الذي يعيشه بتلك التي عانتها مريم (عليهاالسّلام) حين ابتلاها الله بحمل وهي العذراء الطاهرة ..

 

ولما وضعتْ قيل لها ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ). ومع اختلاف المعاناة بين الصّورتين..إلا أن الشّاعر ينقلنا إلى تلك الصّورة القرآنيّة البهيّة .. التي توحي بالأمل والأمان والطّهر فهو يقول:

 

هُزِّي شِراعَ المُنى,,يا نخْلـةَ  الـوادِي

شَوقِي يُلوّعُني .. و البَيْـنُ جَـلَّادِي

 

ولأنه بدأ كذلك .. فلابدّ أن يكملَ الصّورة المتألّقة في بيته الأوّل بما يناسبها في بيته الثّاني .. وهو الشّكر لله على فضله ومنّته ولكن على طريقة الشّعراء ... (الوجدُ سجّادي)..

 

فهو يسجد لله ولكن بطريقة عميقة تعبّر عن آهاته ومعاناته في السّجود ..

 مَلَّ الفُـؤادُ لِحـافَ اللّيلِ,,سَهرتَـهُ

كالشَّارِدينَ.. و هَذا  الوَجدُ  سِجَّادِي

 

فوجده لا يكاد يغيب عن باله في كل حال.

 

ثم بعد سكونه وهدوء ألمِه يعود إلى الحبيبة يسألها أن تسقي ربوعَ قلبه الظامي .. فيستعيضُ عن الماء بما يناسبه وهو الخريرُ وهو صوتُ الماء الجاري وذلك أبلغُ في التّصوير إذ لو قال ماءً لكان ممكن التّفسير بكونه ماءً راكدًا مثلا .. فيقول:

 

و اسْقِي الرُّبوعَ خَريرًا  ؛غَرَّ  عاشِقَـهُ

دِفْءُ المساءِ و هَمسُ الجَدولِ الشّادِي

 

ويعود ببيته التّالي إلى حيث ابتدأ في مطلع قصيدته التي طلب فيه هزّ النّخلة .. بعدما ذاق تمرَها اللّذيذَ و هذا يثبّت ما ذهبنا إليه من اختيار الشّاعر لتلك الصّورة الشّعريّة المعبّرة في القرآن الكريم .. فتراه يقول :

 

يا نخْلةَ العِزِّ ؛ كمْ لِلتّمْـرِ مِـنْ ألَـقٍ

مِلْءَ الشُّموخِ..الذِي في عُمقِ تنهادِي؟

يَرْقَى ؛ و تسْجُرُ بالأنفـاسِ  حالِمَـةٌ

عَطْشَى ،و تبحثُ عنْ ساقٍ و عنْ هادِ

هامَتْ مُلبّيَةً صَرْخاتِ  مـا  فقَـدَتْ

أيَّـامَ نشْوتِها ,,في فُسحةِ  النّـادِي

 

ولكن الشّاعر يبقى برغم كلّ ذلك رهينَ مأساته وحبيسَ آهاته لعمقها وتأثيرها البالغ في قلبه ..فيبدو كأنّه فاقدٌ للأمل ،مستسلمٌ لما كتب في طالعه وحنايا ضُلوعِه فيقول وكلّه ألمٌ و حسرة :

 

لا عَزمَ يُشرقُ فـي آفاقِهـا  سَنَـدًا

صحْراؤُها غَدَرتْ  بِالكَوكَبِ  الحَادِي

فاسْتَبْقَتِ الأمَـلَ الغَـدَّارَ,, باحِثـةً

بعدَ الغُروبِ عنِ الأحلامِ ..و  الـزَّادِ

 

 ويبدو أنّه كان في حلم فاستفاق منه ..أو أجبرته ظروفُه للاستفاقة منه .. فوجده وهْمًا وبناءً على رمال متحرّكة .. فلا نخلةَ ولا تمر و لا خرير ..

 يا نخلةَ العِزِّ ؛ ذِي الأحـلامُ  رائِحـةٌ

خلفَ الفُؤادِ أسًى، و اسْتسلمَ الغادِي

ضلَّتْ عُيونُ المَهَا فـي نَجْـدِ قافيـةٍ

 مِثلَ الطّريـدةِ فـي هَيجـاءِ صَيَّـادِ

لو تُسْعِفيني..سيبقَى الشَّوقُ  ملحَمـةً

في القلبِ شاهدةً عنْ حُبِّكِ الصّـادِي

 هُزّي شِراعَ المُنـى لحْنًـا يُهَدْهِدنـي

 يا نَخلةَ العِزِّ .. شَوقُ  الجُرحِ  إنْشادِي

 

لقد نجح الشّاعرُ في إغرائنا بالأمل والحبّ المليء بالحنان في أبياته الأولى .. حتى غمرنا الفرح والشّوق وتذوّقنا معه تمرَ نخلته المعطاء في زمن الجدبِ واليأس .. وسمعنا خريرَ مياه العشق وهي تروي عروقَه الظّامئة لقطرِ مطر ..

 

ثم استفقنا معه لنجدَه وأنفسَنا في صحراءَ قاحلة .. فلا نخيلَ و لا خريرَ و لا أمل ..

 

..صحوةٌ قاتلة تعصر قلوبَ العشّاق..و تهزّ المشتاقَ بطريقة ذكيّةٍ تجعلنا وقُوفا بكلّ احترام وتقدير لما رسمته ريشتُه المميّزةُ من صورٍ فاقت التّصوّرَ ..هنا تعجزُ المفرداتُ من أن تجتاز حاجزَ صمتِك وصوتِك ومعاناتك ..

 

دمت متألقا سيّدي العزيز.             

 

                             كرخ بغداد :1/10/2012

 


 

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 02 أكتوبر 2012

(6) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم




\/ More Options ...
manarati
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» manarati
  • مجموع التدوينات » 302
  • مجموع التعليقات » 509
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة