16 أكتوبر 2014 

قصة قصيرة :                 

               كبـْــوَة

 alt


       كان دائمَ النّشاط مذ عرفتُه، عفيفَ الرُّوح، دَمِثَ الأخلاق، قريبًا إلى النّفس، يحبُّ العلمَ ويسامرُ المجتهدين. وفي إحدى زوايا المسجد شغلَ شبحُ أحدِهم بالي وهو ينظر إليَّ، بدأتُ أتفرّسُ ملامحَه دونَ أن ينتبه لذلك.. لم يكن غريبًا ، فلقد خفَا بريقُ عينيه عليّ، وتجعّدت أساريرُه، و بدَا أكبرَ من سنِّه بمرّات!

.. بعد انقضاء الصّلاة اقتربتُ منه، ربَّتُّ على كتفه، نظر إليَّ بابتسامةٍ بائسةٍ تسلّلتْ متثاقلةً من ثغره الجافِّ، وقال:

_ "كيف حالُكَ أستاذي؟" ..هزَزتُ رأسي شاكرًا الله، واكتفيتُ بإيماءةٍ للِّقاءِ خارجًا بعد أداءِ ركعتَيْ النّافلة.

..وجدتُه بباحةِ المسجدِ مسنِدًا ظهرَه إلى الشّبّاك الحديديِّ حسيرًا، وقد انحنى ظهرُه. بعدَ السّلام عرضتُ عليه ارتشافَ شيءٍ بالمقهى المجاور للسّاحة العموميّة، لكنّه آثرَ أن نبتعدَ عن الضّوضاء والنّاس.

كان شيءٌ ما يحيكُ في صدره..!

..في طريقنا إلى الجبّانة الكبيرة بدأتِ الأسئلةُ تتناثر بخاطري و تصطفُّ دونَ ترتيبٍ، وما إن تنهّد الفتى حتى وجدتُ إلى سؤاله سبيلا، ثم بادرته :

_ "حدِّثْني عن ما دَهاك ! و ماذا عن دراستِك ؟"..أخذ شهيقًا عميقًا، ولم يكلفه الأمرُ جهدًا في بثِّ زفيرٍ مستطيرٍ برائحة النّيكوتين !!

..كانت صدمةً مفاجئة ! فمثلُ هذا التّصرّف كان يتقزّزُ منه كلّما مارسه أقرانُه أمامَه. ثمّ ما لبثَ أن أوقفني بمنتصفِ الطّريق، ناظرًا إليَّ بتمعّنٍ، قائلا في حنَق وبصوتٍ مبحوح:

_ "أستاذي؛ كيف بزميلي "هانئ" الكسول المتبجّحِ، المفاخرِ بتصرّفاتِ أبيه السّكِّيرِ أن ينجحَ و ينتقل إلى الإكماليّة، و قد كان آخرَ الطّلاّبِ نشاطًا، وأوّلَهُم وقاحةً وقلّةَ أدب ؟! ".

.. حمل سؤالُه الاستنكاريُّ همًّا بحجم الجبال! وستبدو أيّةُ إجابةٍ مقنعةٍ له بقدر عِظَمِ الهمِّ نفسِه، بل ستكون الإجابةُ غيرَ مجديّةٍ إلى فتًى لا يزال يصارعُ المرضَ، وظروفَ عائلتِه الفقيرةِ القاهرةَ بصبرٍ وعزمٍ وحَميّة، وهو يبرهنُ بعزمٍ وثباتٍ على أنه الأقوى بعلمه وثقافته رغمَ بؤس الحال، في مقابل تُرّهاتِ بعضٍ من زملائه المتبجّحينَ بفاخرِ الثّياب وتسريحاتِ الشَّعر، وبسماعِ آخرِ الأغاني.

 .. كان حنقُه على واقعه المُرِّ بيِّنًا، وازداد حدّةً حينما أحاله المديرُ الجديدُ إلى الحياة العامّة، بعدَ شجارٍ مع حفيدِ رئيسِ الثّكنةِ العسكريّة بالمدينة، كان هذا الأخيرُ صديقًا حميمًا له؛ فلم يتطلّب الأمرُ أيَّةَ تضحيّةٍ للطّعن في قرار الخروج.. مصروفُه لم يعدْ يُلبّي حاجيّاتِه.. وعائلتُه المشرَّدَةُ بين أبٍ أكلته رمالُ البادية، وأمٍّ تصارعُ ما بقي لها من كرم مرضِ الرّبو المزمنِ في مستشفى الولاية منذ أزيدَ من شهرين و نصف،أثقل قلبَه و شغل تفكيرَه.. و ها قد أعيتها كِليتاها المكتنزتانِ ببردِ سنواتِ الطّفولة و الشّباب؛ وما كان له أن يُبقِيَ على نشاطِه في تحصيلِ العلم، وهو يسكنُ بيتَ خالِه "قدّور" صاحبِ العشرةِ أولاد، يُعينه كلَّ مساءٍ على بعض المهامّ ليوفّرَ ما يسدّ جوعَ عياله.

..كان بوحُه المحمومُ بغبار الشّوارع، الموبوءُ بنائباتِ الحياة مثقلاً بهمٍّ لا قِبلَ لي بتلقّيه، ولكنّي أردتُ رفعَ معنويّاتِه، مستنفرًا عنفوانَه مهيِّجًا حميّتَه قائلا:

 _ "ولِـمَ لمْ تُكملْ دراستَكَ بمدرسةٍ أخرى؟ فأنا أدري مدَى إصرارِك وقناعتِك بأنّ العلمَ يجعلُ الدّنيا بنائباتها تحتَ أخمص القدمين ؟!".

..أرسلَ قهقهةً متعرّجةً، ثمّ ما لبث أن ردَّ عليَّ في امتعاض :

_ " أ تسخَرُ منّي أستاذي؟! الواقعُ التّربويُّ يوفّر مناخًا باهتًا لأشباه المتعلّمين، ويمنحهم قوّةً مادامُوا ينجحون سواءً بسواءٍ مع مَن يفوتونهم علمًا ومحبّةً للعلم، ويأتي في الأخير بعد أن خارتْ قوانا من المراجعةِ والأرقِ والسّهرِ ويجلس هؤلاء الكُسالى البائسونَ معنا على مقعدٍ واحدٍ. وتتكلّم على إثبات الذّات !؟".

(لم يكن تفسيرُ ما يقول الفتى بأقلَّ أثرٍ من قناعتِه الممزوجةِ بجُرحه المتخثِّرِ بحالٍ بائسة !!)..

..صدَقَ الفتى؛ فما فائدةُ المنافسة، والكلّ سينالُ القدرَ ذاتَه من الحقِّ في هذه الحياة المضطربة ؟! بل الأنكى أن يجتمعَ الجهلُ والمالُ والسّلطانُ في يد الكسول فيتقدّمَ على المجتهد ويفرضَ عليه جهلَه.

..شردتُ قليلا، باحثاً عن تنفيسٍ لمعاناته، متقصّيا بريقَ عينيه الغائرتين مثلَ بئرٍ جوفاءَ، ولكني لم أفلحْ في عكس النّور إليهما، بعد أن امتلأتْ نفسُ الفتى بشُحوبِ المنتهى. و لكنّه بدّدَ حيرتي، وقال في همّةٍ واعتزاز:

_ "سيِّدي؛ سأكون مثلكَ أخًا ناصحًا، وأبًا كريمًا يحافظ على الجيل من سفاهةِ وطيشِ نفسِه، بالمحافظة على عياله، واهبًا إيّاهم نجومَ العلم سبيلا لهدايتهم، حتّى وإن غلبَ الأمرُ وجارَ الزمان".

..مرَّ الوقتُ سريعًا، وأشعّةُ الأصيل بدأت تطرقُ الآفاق. حينها عُدنا أدراجَنا إلى صخب المدينة. وكلماتُه الكلمى بالأنين والضّنك مازالت مدوّيةً بسمعي. كأني أراه فارسًا متأنّقا بصَلْصَلةِ سيفِه، وفرسُه تتحمحمُ لشَبَقٍ بمهجتها يطوي مداها في لحظاتٍ، لا يكبحُ جماحَها سوى سرابٍ أو ضبابٍ أو ليلٍ دَجِيٍّ؛ ولا يأبه هو بشبحٍ أو خيال، يسوق خوفًا من الآتي أو فزعًا ممّا مضى.                                                         

 

    الجزائر 2013


 

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 16 أكتوبر 2014

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

 

 

الرّكن  الأسبوعي " النادي  الأدبي "  فضاءات  نقدية

يوميّة  الجمهورية  / الجزائر.

 

alt

 

http://www.eldjoumhouria.dz/Article.php?Today=2014-10-06&Art=5241

محارقُ النّصِّ في " قلق النّواعير" للشاعر يوسف الباز بلغيث

الركن الأسبوعي " النادي الأدبي " جريدة الجمهورية - وهران - الجزائر

 

 

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 10 أكتوبر 2014

(0) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم




\/ More Options ...
manarati
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» manarati
  • مجموع التدوينات » 308
  • مجموع التعليقات » 511
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة