مقالة /               

 

 

هندسةُ البِناءِ الشِّعْري..!

 

 

 


يضيعُ حلمُ الشَّاعر ويتلاشى وسْطَ سرابِ دهشةِ الغَاوينَ، كلَّما نسجَ نصًّا ولم يجد هذا الأخيرُ سبيلاً للقبولِ لديهم،  فهو أشبهُ ببناءٍ يُبقي للشَّاعرِ حُريَّةَ تخطيطِ أقسامِه، وتجهيزَه وتأثيثَه، ويبقى فيما بعدُ مدَى استقطابِه للإعجابِ، أو ربَّما سيكتنفُه الهِجرانُ والرَّدم..!


.. إنَّ النَّشوةَ التي تعتلي الأبناءَ بعد انتهاءِ بناءِ السَّكنى الجديدةِ، وارتفاعَ مؤشِّر النَّشوةِ لدَى كلِّ واحدٍ منهم لسبرِ أغوارِه، لَهِما أشبه بنشوةِ القارئ، وهو يجولُ بينَ أسطرِ ومعاني النَّصِّ الشِّعريِّ، وقد تملَّكه الفضولُ وهيَّجَ مهجتَه وفكرَه نظمُ القصيدةِ وبناؤُها المهيب.. ولكنَّ السُّؤالَ الذي يتأهَّب للسَّفر بمخيلتنا ينزع إلى حيرتِنا الآتية:"ما طبيعةُ البناءِ الشِّعريِّ الذي ستبعثُ هندستُه بمهجةِ وفكرِ القارئ أثرًا ودهشة؟".


.. حينما ينتابُ الشَّاعرَ إلهامٌ تتدافع الكلماتُ بقلبه وترتصُّ الأحاسيسُ وتتداعى دونَ سابقِ خاطر؛ وبينما تنثالُ الأفكارُ والرُّؤى الشِّعريَّةُ تبدأ في الارتصاف بشكلٍ معيَّنٍ، يُوحي بهندسةٍ ملهِمةٍ ما. وحينما يفرغُ الشَّاعرُ من نزعاتِ هذه الحالة، يُجهِّز هندستَه البنائيَّةَ لنصِّه بأثاثٍ، قد يبعثُ ارتياحًا بنفْس ما يرتادُه أو نفورَا.. وبهذا المنطلق تضيعُ نصوصٌ شعريَّةٌ في زخم هذه الهندسةِ أو تتألَّق.. إذ طالما حسبَ بعضُ الشُّعراءِ أنَّ التَّنميقَ اللَّفظيَّ أولى بالاحتفاء من أيَّة نزعةٍ أخرى، ولكنَّ الهندسةَ_ بمكوناتها الجماليَّة من موسيقَى ولغةٍ وتصويرٍ _ ستكون أبلغَ وأوقرَ بالسَّمع والقلب في ثوبِ إجادةٍ سياقيَّةٍ_ قد تكون بسيطةً ممتنعةً _حافلةٍ بمخيالٍ بليغٍ، وانسيابيَّة مبهرة.


.. كم من شعراءَ يمتلكونَ اللُّغةَ السَّاحرةَ والتَّصويرَ الخلاَّقَ، ولكنّهم غيرُ موفَّقينَ في هندسةِ نصوصِهم الشِّعريَّةِ وبنائها_ضمن جماليَّاتِ التَّأثيثِ المدهشِ الحَداثيِّ المنشود_ ويعتقد العامَّةُ بأنَّ هذا الشّاعرََ هو أشعرُ الشُّعراء، وبالمقابل لا مكانَ له في قائمة النُّقَّاد.. وهنا مكمنُ مربطُ الفَرَس!! إذ إنَّ الشَّاعرَ الذي يبرعُ في تصميم هندسةِ قصيدتِه هو الذي يكون في صدارة الفحُول، مع الوضع في الحُسبان أن يكون هناك تأثيثٌ منسجمٌ للقصيدة التي تواكبُ اللَّحظةَ الملهمةَ، خروجًا إلى التَّأثيثِ الملائم بصنعةٍ، تأتي تبعًا لإلهامٍ حقيقيٍّ متوثِّب.


.. إنَّ هندسةَ البناءِ الشِّعريِّ تعبق برُوحٍ تملَّت بوجهِ القارئ، لتُبشِّشَ أساريرَه، و كلّما كان للقبول أثرٌ كلّما ثقف الشَّاعرُ بأنه على مقربةٍ كبيرةٍ من نفسِ مُريدِيه.. وإذّاك سيصل بنصِّه إلى "عكاظيَّةٍ"  أو" ديوانيَّةٍ" تخلِّد اسمَه بماءِ الذّهب، ومَن أناخَ إبلَه العطْشى بعدَ سفرٍ مُضنٍ، ولمْ ترتوِ تحتَ فَـيْءِ دوحةٍ ما، سيعاودُ السَّفرَ مكرَهًا، وقد أثقلَ ممشى عشارهِ عبءُ الحِمل، وشحُّ الزَّادِ، وجفوةُ الحادي. فهل وعيتَ القصدَ أيُّها الشَّاعر؟؟

 

                        ـــــــ       يوسف الباز بلغيث / الجزائر 28 يوليو 2015

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 28 يوليو 2015

(2) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم

لَوْعَــةُ  الجَوَاهِرِي*



..حينما لقيتُه في الحلم على تلكَ الحالِ، ترجَّاني أن لا تصلَ هواجسُه الحرَّى إلى الجيلِ الواعِدِ، المُبعْثَرِ فكرُه بين ربيعٍ مزيَّفٍ، وواقعٍ مُرٍّ، ولكنَّه في الأخيرِ قال بأنَّ هذا الجيلَ سيكونُ في طليعتِه مَن يُقدِّسُ الوطنَ قدرَ تقديسِه للدِّين،، وغطَّ بعدها في ابتسامةٍ تُشبهُ شروقَ أيَّامٍ خلَتْ.

 

.. على ذراعِه الأيـمنِ

كان مُسنِدًا جراحَه للشِّعرِ كالمُعتادْ،،

..حكَّ الحصيرُ جنبَه، معَ المُنى ،،

 يُعاود الهمَّ الذي كم هدَّهُ،،

مناورًا كلَّ الجراحِ بالعِنادْ.

.. قبَّلتُه، وقلتُ بعدَ شهقةٍ:

" يا شيخُ، حنَّ خافِقي اليتيمُ

أن يطالَ سمعَهُ الوجَّاسَ،،

منكَ بيتُ شعرٍ عن أيَّامنا الأنكادْ،،

.. وهل تَراكَ " دجلةُ الخَيراتِ"

مثلما كانتْ تلقاكَ سيِّدًا

على ذُرَى " بغدادْ"..؟!".

..فلاحَ في مَوْقِ الحكيمِ حزنُهُ

دمعًا يُراقصُ الحنينَ ،،كم به منْ

جِذوةٍ مَسعورةٍ بحُرقة الأكبادْ..!

..وردَّ في استكانةٍ:

" يا أيُّها الفتَى المسكونُ بالأمجادْ؛

غناؤُنا للوطنِ المكلومِ بالوباءِ،،

شانهُ المَسْخُ الغريبُ بامتيـازْ..!

مُعقَّمٌ،، مفخَّخٌ بالزَّيفِ والنَّشازْ..!

تحتاجُه البهائمُ الصَّرعَى نُخالةً،،

وللجفافِ سلعةً مِن أجودِ السَّمادْ.

..والكلُّ يحملُ السِّلاحَ

شاعرًا بوثبةِ البُطولَــةْ !!

فَـ"داعشٌ " و"القاعدةْ "،،

قبلَهُما حُروبُ " أيَّامِ العَربْ "..!!

.. والوطنُ المشطورُ ألفَ قطعةٍ،،

يحتاجُ للدَّليلِ كي يسافرَ السَّلامُ

فيه دونَ لوعةٍ،، وزادُهُ الرُّجُولـهْ.

يبحثُ عن عَدُوِّهِ اللَّدودِ في الكُتبْ.

.."بغْدادُ" لم تعُدْ بغْدادَ.. يا ولدْ..!

و"الشَّرقُ"- صارَ جيفةً- مُهْتَرِئُ الجسَدْ،،

وذا "الرَّبيعُ" _لعنةُ الله عليه_  لعبةٌ سوداءْ..!

 تُوزِّعُ الماءَ على البُغاةِ والجُباةِ،،

تحرمُ اليتامَى،، وقبلَها الإمَــاءْ..!

ونحنُ تائِهونَ،، تائِهونْ!!

..مَنْ مزَّقَ البلدْ..؟!

مَنْ شرَّدَ البحرَ الصَّفيَّ حينَها،،

ودلَّلَ الزَّبدْ..؟!

والشِّعرُ لم يعُد للنّاسِ "ديوانَ العربْ"...

والحبُّ تأويلٌ سخيفٌ للرَّدى،،

مُكتنِـزٌ بألوانِ الغضبْ..

..كلُّ المدائنِ الخضراءِ صارتْ

قُبَّةً للنَّارِ،، بلْ؛ فوضَى.. صخبْ.

تسعُونَ عامًا يا فتى في الغُربةِ الشَّهباءِ

لم تزلْ في القلبِ كالذِّكرى،،

كأنفاسٍ تفُـورْ!!

لكنَّ طعمَ الوطنِ المسكينِ

وسْطَ الجدولِ الرَّقراقِ،،

خلفَ التَّلَّةِ النَّوَّارِ،،

كان رغمَ بؤسِ الزَّمنِ الدَّوَّارِ ذاكَ..

حَفنةً من نـُورْ !

فأينَهُ اليومَ من التَّهجيرِ، والتَّهويدِ

والتَّسويفِ.. يا فتَى القَضيَّــةْ ؟؟

.. والطَّائفيَّـةْ..؟!

فلا تسَلْ عن فتنةِ البليَّــةْ !

والقومُ تائهونَ،، تائهونْ!

مُشرَّدونَ بينَ مسلمٍ يختالُ كبرياءً..ببزَّةِ السَّلفْ،،

وبينَ مسلمٍ تَعَوْلَمَتْ أفكارُه،،فلَجَّ في سرابِ

المُرتَجَى،،وضيَّعَ الهدفْ!

وبينَ "ذَا" و"ذَا" تُستَنْزَفُ الهَوِيَّــهْ".

قلَّبتَ يا فتَى مواجِعي،،

وها بِها تناثرتْ كما الصَّدى..

..وخانَها الـمَدَدْ.

لكنَّه البركانُ؛ حينمَا تُسْتهْجَنُ الوُرودْ،،

يُشْتَمُّ ضَوْعُها الفَريدُ بالإكراهِ من بعيدْ،،

وتخزنُ الأشواكَ كلَّما تُسوِّلُ الرِّيحُ لِشَانِيها العنيدْ،،

بأنْ ينالَ مِن رُضابِها الشَّهيِّ ما يُريدْ.

..سيشرقُ الرَّبيعُ- بعدَهُ الشِّعرُ- على رُبى النُّفوسْ،،

ويحملُ الفلاَّحُ مَيْرَهُ للأرضِ والسُّلطانِ والعبيدْ،،

كلُّ النِّساءِ حينها سيغزلُ الأفراحَ نَوْلُها العتيقْ،،

وتشردُ الأطفالُ كالحَمامِ في المَدَى، ويفرحُ الصَّديقْ،،

ومَنْ كَوَى الأجفانَ سوفَ يكتوي بغيظِه السَّقيمِ،

لنْ يفُكَّ أسرَهُ سِوَى همٍّ نكيدْ.

فلا تخفْ؛ الوطنُ الجميلُ سوفَ يحتمي بحبِّنا،،

ويفرشُ الأحلامَ من جديدْ،،

يُقيمُ في عَرائِشِ الأيتامِ عُرسَه،،

مُدلَّلاً بالخيرِ، والجلالِ، والهناءِ،،

سائقًا في الحفلِ كلَّ فرحةٍ تُعتِّقُ النَّشيدْ،،

..وخلفَ كلِّ ربوةٍ ستمْرحُ اليتامَى،، وترقُصُ الأيامَى

..وألتقيكَ يا فتى،، وتسمعُ القصيدَ حينها،،

 بنشوةِ الشَّهِيـــدْ.


                          الجزائر/ 20  رمضان / جويلية - يوليو 2015

الجواهري* / شاعر العراق الأكبر محمد مهدي الجواهري.

Tags التصنيف: التصنيف العام كتب من طرف: manarati
بتاريخ : 08 يوليو 2015

(17) التعليقات | (0) التعقيبات | رابط دائم




\/ More Options ...
manarati
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» manarati
  • مجموع التدوينات » 323
  • مجموع التعليقات » 511
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة